أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

478

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه الخامس : أنه منصوب على الاستثناء المكرر ، يعني أنه هو وقوله « إِلَّا ما يُتْلى » مستثنيان من شيء واحد ، وهو « بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ » نقل ذلك بعضهم عن البصريين قال : « والتقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله تعالى : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ « 1 » على ما يأتي بيانه ، قال هذا القائل : « ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام لأنه مستثنى من الإباحة . وهذا وجه ساقط ، فإذن معناه : أحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلّي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد » انتهى . وقال الشيخ « 2 » : « إنما عرض الإشكال من جعلهم « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ » حالا من المأمورين بإيفاء العقود ، أو من المحلّل لهم وهو اللّه تعالى ، أو من المتلوّ عليهم ، وغرّهم في ذلك كونه كتب « مُحِلِّي » بالياء ، وقدّروه هم أنه اسم فاعل من « أحلّ » وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدّي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة ، وأصله : « غير محلين الصيد » إلا في قول من جعله حالا من الفعل المحذوف فإنه لا يقدّر حذف نون ، بل حذف تنوين . وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله « مُحِلِّي الصَّيْدِ » من باب قولهم « حسان النساء » ، والمعنى : النساء الحسان فكذلك هذا ، أصله : غير الصيد المحلّ ، والمحلّ صفة لصيد لا للناس ولا للفاعل المحذوف . ووصف الصيد بأنه محلّ على وجهين ، أحدهما : أن يكون معناه دخل في الحل ، كما تقول : « أحلّ الرجل » إذا دخل في الحلّ ، وأحرم إذا دخل في الحرم . والوجه الثاني : أن يكون معناه صار ذا حلّ ، أي : حلالا بتحليل اللّه ، وذلك أنّ الصيد على قسمين : حلال وحرام ، ولا يختصّ الصيد في لغة العرب بالحلال لكنه يختصّ به شرعا ، وقد تجوّزت العرب فأطلقت الصيد على ما لا يوصف بحلّ ولا حرمة كقوله : 1692 - ليت بعثّر يصطاد الرّجال إذا * ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا « 3 » وقول الآخر : 1693 - وقد ذهبت سلمى بعقلك كلّه * فهل غير صيد أحرزته حبائله « 4 » وقول امرئ القيس : 1694 - وهرّ تصيد قلوب الرّجال * وأفلت منها ابن عمرو حجر « 5 » ومجيء « أفعل » على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب ، فمن مجيء أفعل لبلوغ المكان ودخوله قولهم : أحرم الرجل وأعرق وأشأم وأيمن وأتهم وأنجد ، إذا بلغ هذه الأماكن وحلّ بها ، ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم : « أعشبت الأرض ، وأبقلت ، وأغدّ « 6 » البعير ، وألبنت الشاة وغيرها ، وأجرت الكلبة « 7 » ، وأصرم النخل « 8 » ، وأتلت الناقة « 9 » ، وأحصد الزرع ، وأجرب الرجل ، وأنجبت المرأة » . وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه

--> ( 1 ) سورة الحجر ، الآية ( 58 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 416 ) . ( 3 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 77 ) ، ابن يعيش ( 1 / 61 ، المنصف ( 3 / 121 ) ، الكشاف ( 4 / 469 ) . ( 4 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 417 ) . ( 5 ) انظر ديوانه ( 69 ) ، البحر ( 3 / 417 ) . ( 6 ) أغدّ البعير : أصابته غدة ، وأغدّت الإبل : صارت لها غدد من اللحم والجلد من داء . اللسان : ( غدد ) . ( 7 ) أجرت الكلبة : أي صارت ذات جرو وهو الكلب الصغير . ( 8 ) أصرم النخل : حان وقت صرامه . اللسان : ( صرم 2438 ) . ( 9 ) أتلت الناقة فهي متلي : أي يتلوها ولدها . والمتالى : الأمهات إذا تلاها الأولاد . اللسان : ( تلا 444 ) .